الشنقيطي
328
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في النار . قوله تعالى : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . قال بعض العلماء : معنى هذه الآية أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم اللّه عليها ، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] إذ المعنى على التحقيق لا تبدلوا فطرة اللّه التي خلقكم عليها بالكفر . فقوله : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ خبر أريد به الإنشاء إيذانا بأنه لا ينبغي إلا أن يمتثل ، حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة ، ونظيره قوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [ البقرة : 197 ] الآية أي : لا ترفثوا ، ولا تفسقوا ، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تجدون فيها من جدعاء » « 1 » وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار بن أبي حمار التميمي . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم » « 2 » . وأما على القول بأن المراد في الآية بتغيير خلق اللّه خصاء الدواب ، والقول بأن المراد به الوشم ، فلا بيان في الآية المذكورة ، وبكل من الأقوال المذكورة . قال جماعة من العلماء ، وتفسير بعض العلماء لهذه الآية بأن المراد بها خصاء الدواب يدل على عدم جوازه ؛ لأنه مسوق في معرض الذم واتباع تشريع الشيطان ، أما خصاء بني آدم فهو حرام إجماعا ؛ لأنه مثلة ، وتعذيب وقطع عضو ، وقطع نسل من غير موجب شرعي ، ولا يخفى أن ذلك حرام . وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت به المنفعة إما لسمن أو غيره ، وجمهور العلماء على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي ، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره ، ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز ، وخصى عروة بن الزبير بغلا له ، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم ، وإنما جاز ذلك ؛ لأنه لا يقصد به التقرب إلى غير اللّه ، وإنما يقصد به تطييب لحم ما يؤكل وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى ، ومنهم من كره ذلك لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون » . قاله القرطبي « 3 » ، واختاره ابن المنذر قال : لأن ذلك ثابت عن ابن عمر وكان يقول هو : نماء
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز ، حديث 1358 ، ومسلم في القدر حديث 22 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 63 و 64 . ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن 5 / 390 ، 391 .